الاثنين، 6 ديسمبر 2021

94 : صلح الحديبية

 صلح الحديبية:

  رأى النبي صلى الله عليه وسلم في السنة السادسة للهجرة رؤيا كريمة؛ ورؤياه حقٌّ أنه يؤدي العمرة، فخرج قاصداً مكة وأخذ معه (١٤٠٠) من صحابته الكرام، وساق معه الهدي ليثبت حسن نيته، وأنه ما جاء لحرب ولا قتال.

·       اعتراض قريش:

 علمت قريش بقدوم النبي صلى الله عليه وسلم نحوها، فحرصت على منعه من دخول مكة، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان حريصاً على السلم المجتمعي فقد طلب من عمر رضي الله عنه أن يذهب لإخبار قريش أنه ما جاء إلا معتمراً وليس محارباً، فاعتذر عمر خوفاً من استفزاز قريش، وأوصى بإرسال عثمان رضي الله عنه لهدوئه ومكانته من قريش، فكلف النبي صلى الله عليه وسلم عثمان بالمهمة، ولما وصل عثمان وأخبرهم بمقصد النبي صلى الله عليه وسلم لم يصدقوه بل وحبسوه عندهم، فخرجت إشاعة تقول بمقتل عثمان، وعندها جمع النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه وبايعهم تحت الشجرة بيعة الرضوان على الثأر والانتقام لعثمان رضي الله عنه، وبعد تمام البيعة أطلقت قريش عثمان رضي الله عنه فرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولَم يحصل أي اقتتال، وفِي فكرة البيعة على القتال ما يؤكد قيمة الصحابي الواحد ومكانته عند النبي صلى الله عليه وسلم.

·       مفاوضات وحلٌّ سلمي:

  أرادت قريش توجيه رسالة جادة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأرسلت للنبي صلى الله عليه وسلم خمسة من المندوبين عنها؛ منها ومن حلفائها، للتأكد من نية النبي صلى الله عليه وسلم، وفِي كل مرة كان المندوب يرجع لقريش مبيناً لها سلامة نية النبي صلى الله عليه وسلم، حتى كان آخر المندوبين وهو سهيل بن عمرو الذي فوضته قريش أن يعقد صلحاً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكتب عليّ رضي الله عنه بنود الصلح بين قريش والنبي صلى الله عليه وسلم، وهي:

-   أن لا عمرة هذا العام ويأتي المسلمون لأدائها في العام القادم، وقد حصل ذلك، بعد أن اعترض المسلمون على هذا الشرط لثقله على نفوسهم، وامتنعوا عن التحلل، حتى أشارت أم سلمة رضي الله عنها على النبي صلى الله عليه وسلم بالتحلل وذبح الهدي، فاقتدى به الصحب الكرام.

-   أن لا يقبل النبي صلى الله عليه وسلم في مدينته مسلماً جديداً أتاه من قريش، ولا مانع من قبول قريش لأي مرتدٍّ عن الدين يأتيها، وقد حصل أن جاء أبو جندل ابن سهيل بن عمرو مسلماً وجاء أبو بصير وغيرهما بعد كتابة الصلح، فلم يقبل النبي صلى الله عليه وسلم بوجودهما عنده، فقاموا بالإقامة في منازل خارج المدينة على طريق تجارة قريش، ولَم يزالوا يقطعوها حتى طلبت قريش من النبي صلى الله عليه وسلم أخذهم عنده، فبطل مفعول هذا الشرط الشديد.

-   أن تضع الحرب أوزارها بين المسلمين وقريش لعشر سنين، وهذا الشرط هو الأهم لمصلحة المسلمين، ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد تحييد قوة قريش المزعجة له في الجنوب، ليتفرغ للتوسع في دعوته ودولته في الشمال بلا إزعاج، فكان الصلح مكبلاً لقدرة قريش، وفتح بدل الأفق آفاقاً لحركة الدعوة.

·       فرقٌ بين صلح وصلح:

 على الرغم من اعتراض الصحابة الكرام على بنود الصلح وغطرسة سهيل بن عمرو عند كتابته، إلا أن ثقتهم برسول الله صلى الله عليه وسلم جعلتهم يوقفون اعتراضهم ويلتزموا أمره (ويلزموا غَرزه) ولا يخالفوه.

  وقد نزلت سورة الفتح تشير إلى أن الصلح فتحٌ، فالعبرة ليست بالواقع والحال، بل بالمستقبل والمآل، وفِي عالم المفاوضات لابد من تقديم تنازلات، ولكن ثمة فرق بين من يتنازل عن شكليات ليأخذ الجوهر ويحقق الهدف والطموح البعيد، وبين من يبيع نفسه وأرضه وعرضه على طاولة الوهم والمساومات التي يضع الأعداء في جيبه لأجل جلوسه عليها الأوساخ والفُتات!!.

·       نتائج الصلح واستثمار الهدنة:

استثمر النبي صلى الله عليه وسلم ساعات الصلح وأيامه، وسعى بكل جهده ليستفيد من تلك الهدنة مع قريش ومن ذلك:

-   أداء عمرة القضاء في السنة السابعة للهجرة، وقد دخل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام مكة ومكث فيها ثلاثة أيام، وكان أهلها قد أخلوها وذهبوا إلى العوالي والجبال، فأراهم النبي صلى الله عليه وسلم منه ومن أصحابه عزةً وقوةً عند طوافهم وسعيهم (من خلال كشف الساعد والرمل في الأشواط الثلاثة الأولى).

-   دخول عدد من المهتدين الجدد الإسلام، (قيل إنهم بلغوا السبعين)، وعلى رأس هؤلاء: خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعثمان بن أبي طلحة رضي الله عنهم.

-   ارسال النبي صلى الله عليه وسلم رسائل الدعوة وطلب الهداية إلى الزعماء والملوك، وقد تباينت إجاباتهم وردودهم عليها، فمنهم من كان رده سمحاً كريماً (هرقل الذي أوشك أن يسلم لولا خوفه من ردة فعل قومه) (والمقوقس حاكم مصر الذي احترم الرسالة والرسول وأهدى له)، ومنهم من كان رده شديداً عنيفاً (كسرى الذي مزق الرسالة، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم أن يمزق الله ملكه).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

السيرة النبوية العطرة خطوة بخطوة في(100) مشهد

  الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الأمين، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد :        هذا ...