الثلاثاء، 7 ديسمبر 2021

28 - 24 : في دار الفتى الشجاع ( الأرقم بن أبي الأرقم

 28 . دار الأرقم بن أبي الأرقم:

 ولما رأى صلى الله عليه وسلم أن عدد المهتدين بدأ يكبر كان لابد من جمعهم في مكان واحد معروف لهم، وفي وقت محدد لتعليمهم، ونقلِ ما يأتي به الوحي من قرآن لهم، فوقع اختياره بتوفيق من الله وإلهامٍ على دار الأرقم بن أبي الأرقم ليكون فيها الملتقى .. صحيح أنه كان غلاماً صغيراً، لكن صغر سنه كان مموهاً لمشركي مكة .. فضلاً عن كون داره بالقرب من الصفا بعيداً عن وسط مكة.

  لقد أتى الله تعالى ببلال بن رباح كما أتى بعثمان بن عفان وَعَبَد الرحمن بن عوف وغيرهم من الكرام رضي الله عنهم، وكلهم يملك من الحماسة ليفتدي الإسلام بكل ما يملك على اختلاف طبقاته.

29. نقلة نوعية .. من الكتمان للجهر:

  بقيت الدعوة بالتهامس .. وهو صلى الله عليه وسلم أعلم بتعليم الله له أن رسالته عالمية .. وأن التهامس لا يناسب غاية وطموح تلك الدعوة الفتية .. فكانت مرحلةً .. لكنها لم تكن كل مرحلة .. وقد جاء الوحي بتكليفه بالصدع بالحق وإنذار العشيرة .. فخرج إلى الصفا، ونادى القوم وجهر بدعوته ومِن حوله عشيرته وعموم المهتدين .. فأبرأ ذمته وعرض أمانته ورسالته .. صلى الله عليه وسلم.

  لقد كان الحبيب يعلم أن درء المفاسد أولى من جلب المصالح .. لكنه الانصياع لأمر الله أولاً، ثم لإدراكه أنه ليس كل مفسدة درؤها أولى من جلب كل مصلحة .. وأنه لابد من تضحية ومبادرة لتمكين قيمةِ عالمية الرسالة .. فكان الصدع والجهر وكان ما تبعه من إيذاء.

30. إيذاء مبكر ومتنوع:

  لقد بدأ الإيذاء من رجل لم يتوقع منه صلى الله عليه وسلم سوى نصرته وإعانته، لكنه تعمَّد إيذاءه وإهانته .. إنه عمه (أبو لهب) .. وقد نزلت فيه وفِي زوجه (أم جميل) سورة المسد .. ﱸ ﱹ ﱺ ﱻ ﱼ ﱽ المسد: ١

  ثم تصدى لمحاربة دعوته كبراء القوم كأبي جهل وأمية بن خلف وعقبة بن أبي معيط وغيرهم .. وقد تعرض شخصياً لضربهم وشتائمهم وأوساخهم ومحاولات خنقهم .. ثم اتهموه بالسحر والكهانة والشعر والجنون .. وهم يجمعون بذلك الأذى المعنوي والمادي .. عليهم من الله ما يستحقون.

31. طلب الخوارق والمعجزات:

  ثم طلبوا معجزات وخوارق، فشقّ الله تعالى لهم القمر .. وكانت معجزته صلى الله عليه وسلم الكبرى معجزة بيانية؛ تناسب ذاك الزمان وكل زمان (القرآن العظيم).. وهم أهل لغة وفصاحة وبيان .. فكانوا يعترفون بجمالها وكمالها واختلافها عما عهدوه من شعر ونثر وسجع وغيرها.

  وطلبوا منه ذات يوم إزالة جبال مكة وتحويلها إلى أرض زراعية، لكن الله تعالى أخبر الحبيب صلى الله عليه وسلم بأنه إما أن يجيب طلبهم، (فإن لم يؤمنوا  فإنه يعذبهم كما عذب مَن قبلهم) .. أو أن يصبر عليهم .. فكان يصبر ويحتسب ويدعو لهم .. صلى الله عليه وسلم.

 ولا يُذكر سوى أنه دعا عليهم بالهلاك أو على بعضهم مرة واحدة أو مرتين.

32. مساومات:

  وكان من كيدهم ومكرهم أنهم ساوموه أكثر من مرة على ترك دعوته في مقابل أن يعطوه أموالاً ونساءً ومناصب .. ولكن الله تعالى كان يُثبته، ويَعِدُه بالعِوض، فقد وجده يتيماً وضالاً تائهاً وفقيراً .. فآواه وهداه وأغناه .. وقال له بأنه يوف يعطيه فيرضيه؛ فأعطاه وأرضاه.

 وليتهم اكتفوا بإيذائهم له دون أصحابه وأحبابه الذين وجدوا العنت والمشقة والحرمان والتعذيب كذلك بسبب ثباتهم على العقيدة.

 كانت سنوات الدعوة الأولى ثقيلة ثقيلة .. لكنها خرّجت قُرصاً صلباً من رجال ونساء حصلوا على الإيمان بصعوبة فلم يفرطوا فيه بسهولة.

 لقد كانت حصيلة المؤمنين بمكة قليلة لكنهم هم الذين حموا الدين في نفوسهم الزكية وحملوه إلى العالمين.

 لقد كان يؤلم الحبيب صلى الله عليه وسلم أن يأتي على بعض أصحابه يُعذَّبون حتى الموت، ولا يملك إلا أن يقول لهم: صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة .. صلى الله عليه وسلم.

33. تنفيس وتخفيف:

  وفِي الوقت الذي كان الحبيب صلى الله عليه وسلم يجد حرجاً وعنتاً كان الله تعالى يبعث له ما يُبرد قلبه ونفسه .. فكان لقاؤه المتجدد بالوحي الكريم يكفيه ويشفيه ويشبعه ويرويه .. وكان كل مهتدٍ جديد يبعث في نفسه أملاً كبيراً.

  ولقد ألهمه الله تعالى لأسلوب حكيم في استقطاب حتى الخصوم ممن كان يأمل هدايتهم .. في حين أن الناس كانوا يفقدون الأمل بذلك .. فكان الرجل يأتيه حاقداً وما يخرج من عنده إلا وهو الحبيب القريب إلى قلبه .. فعبد الله بن سلام يترك يهوديته .. وصهيب الرومي يترك مجوسيته .. وضماد الأزدي يترك خصومته .. وعمر بن الخطاب يترك عُنجهيته؛ وكلهم يعتنق الإسلام وينشره ويدافع عنه ويموت في سبيله .. رضي الله عنهم أجمعين.

34. إسلام الكبار

  لقد كان يوم إسلام عمه حمزة رضي الله عنه يوماً مختلفاً فقد أسلم حِمية له .. ثم حِمية للإيمان بعد أن لمسه وأدركه.

 وكذلك كان يوم إسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه رافعة معنوية لأصحابه .. وحتى هؤلاء لم يَسلموا من الإيذاء.

 لقد كان يطمح بإسلام الأقوياء .. لكنه كان يعلم أن النصرة والرزق كذلك إنما تأتي ببركة الضعفاء.

  ولقد تعرض لعتاب ربه في صاحبه الأعمى (ابن أم مكتوم) حين أشاح بوجهه عنه رغبة في إسلام بعض كبراء قريش .. وقد جاء يسأله وكان في حوار معهم .. صلى الله عليه وسلم.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

السيرة النبوية العطرة خطوة بخطوة في(100) مشهد

  الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الأمين، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد :        هذا ...