خلوة وتدبر:
وهكذا تمضي به الأيام وهو يراقب ما يجري من حوله
.. فالبيئة القبلية لا تفتح أفقاً واسعاً لأبنائها خارج الصندوق المقفل .. ولكن الله
تعالى ألهمه إلى فكرة الاعتزال النسبيّ في غار حراء .. ذاك الغار الكائن في جبل شاهق
الارتفاع، يُطلُّ على الكعبة من بعيد.
كان يمضي فيه الليالي ذوات العدد،
ثم يرجع إلى خديجة رضي الله عنها ويتزود ثانية ليعود.
لقد حملت خديجة رضي الله عنها عنه
عبء التجارة ورعاية الأبناء .. وهي تشعر أنه يبحث عن حلول ويفكر في أمر كبير .. لكنه لا يدري تحديداً من أين يبدأ .. لقد زاد الظلم ووأد البنات والزنا
والربا، وصار عدد الأصنام حول الكعبة كثيراً .. والخمر يُسكِرُ الناس فينسيهم ما
هم فيه من بلاء، وأنهم رعاع لا قيمة لهم بين الأمم وغوغاء.
16. منطلق البعثة الشريفة:
حتى حصل مع الحبيب صلى الله عليه وسلم ما لا يملك
وصفُه من شدته وثقله ومفاجأته.
لقد نزل عليه وهو في الغار أمين
الوحي جِبْرِيلُ عليه السلام .. وقد كان لقاؤه الأول به مرعباً؛ لأنه لم يتوقع لقاء
أحد في الغار مطلقاً .. لم يكن يعلم مَن هو جِبْرِيل عليه السلام .. أخذه وضمَّه إليه
ضمَّة شديدة تأكد من خلالها أنه لم يكن يحلم بل كان مستيقظاً منتبهاً .. كرر ذلك مراراً
وهو يقول له: اقرأ .. والحبيب يَردّ: ما أن بقارئ .. حيث لم يكن قارئاً ولا كاتباً
.. ثم قال له: "اقرأ بِسْم ربك الذي خلق* خلق الإنسان من علق" .. ثم أدرك
لاحقاً أن جِبْرِيل عليه السلام رسولٌ من الله تعالى لأنبيائه .. يحمل لهم الرسالة،
ويصحبهم في بعض مراحل تبليغها.
لقد كان موقفاً مرعباً .. فنزل عن الجبل مسرعاً
.. ولا يدري كيف نزل، وقد خشي على نفسه من الهلاك أو البلاء .. صلى الله عليه وسلم.
17. استراتيجيات إدارة الموقف المُلتَبِس:
وما أن وصل صلى الله عليه وسلم بيته حتى استقبلته
خديجة الحبيبة رضي الله عنها، فطلب منها غطاءً وقلبه يرتجف .. ثم أخبرها بما حصل معه
.. فكانت نِعمَ المرأة الحكيمة .. وهي تحسن إدارة الموقف الملتبس .. حيث أجابت
طلبه فغطته .. ثم سألته .. ثم استدعت تاريخ علاقته بها، لتثبت أن ما حصل معه ليس شراً
بل هو مطلق الخير.
لقد ذكرته بأنه كان؛ واصلاً للرحم، ناصراً للمظلوم، مُكرماً للضيف، معيناً
للضعفاء .. وكأنها تقول له: لن يخيب ولن يضيع من كان هذا شأنه.
لكنها بعدُ تريد الاطمئنان أكثر
والكشف عن لغزِ ما حصل معه .. فأخذته إلى (ورقة بن نوفل) وكان من أبناء عمومتها ..
وكان رجلاً قريباً من عالَم النبوات وقارئاً مطلعاً على تاريخ الرسالات .. ثم طلبت
منه أن يحكي له ما جرى معه، فأخبر ورقة بكل شيء .. صلى الله عليه وسلم.
18. تشريف وتكليف:
فما كان من ورقة إلا أن بشَّره وخوَّفه في الوقت
نفسه .. بشَّره بأنه سيكون النبي الخاتم للبشرية .. وقد سعد بادئ الأمر؛ لا رغبة في
الزعامة التي لم يكن يتوقعها مطلقاً، وإنما لأنه كان يبحث عن حل لأزمة الناس، فوجد
في فكرة ومبدأ النبوة (طالما أنها جاءته كهبة من الله تعالى) فرصة لذلك.
لكنه خوَّفه من تبعات تلك الرسالة والنبوة .. حتى
أنه قال بأن خصومة القوم له ستبلغ حدها بإخراجه من بلده التي أحب .. وقد تذكّر كلامه
بعد (١٣) عاماً، يوم الهجرة من مكة إلى المدينة .. صلى الله عليه وسلم.
ذاك الرجل الأصيل النبيل الذي تمنى لو كان
شاباً لينصره .. لكنه مات بعد فترة وجيزة .. وقد أعلمه الله تعالى أن لورقة بن نوفل
جنة أو جنتين.
19. حال جديد:
رجع صلى الله عليه وسلم بمعيّة
خديجة الحبيبة .. بصورة غير الصورة التي ذهبا بها إلى ورقة بن نوفل .. فقد أدرك أنه
نبي مرسَل .. ثم فهم لاحقاً أنه خاتم الأنبياء والمرسلين .. تكليف في ثوب تشريف
.. وتشريف في ثوب تكليف .. مسؤولية كبرى شاءت إرادة الله تعالى أن تُلقى على عاتقه.
وقد بلغ من العمر أربعين عاماً .. نظر حينها
خلفه وأدرك كيف أن الله تعالى جعله على عينه وهيَّأه بالمنع ثم بالمنح؛ فقد وجده
يتيماً فآواه، ووجده ضالاً فهداه، ووجده فقيراً فأغناه؛ ليكون جاهزاً لحمل أمانته ورسالته
إلى خلقه .. صلى الله عليه وسلم.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق