الثلاثاء، 7 ديسمبر 2021

السيرة النبوية العطرة خطوة بخطوة في(100) مشهد

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الأمين، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد :

       هذا ملخص لأبرز ما صحّ من أحداث السيرة النبوية بطريقةٍ قصصية مختصرة وجاذبة .. وقد اعتمد على على الروايات الحديثية من كتاب زبدة السيرة المستنيرة للدكتور محمد سعيد بكر وقد اشتمل على خط سير حياة النبي صلى الله عليه وسلم من مقدمات ما قبل الولادة الشريفة، إلى ارتدادات ما بعد وفاته صلى الله عليه وسلم. وبدراستها نحسن الرد والدفاع عن شخص النبي صلى الله عليه وسلم ودينه ومنهجه وطريقته وصحابته الكرام، فهي جزء من المصدر الثاني من مصادر التشريع وهو (السُّنة)، وتحكي الجانب التطبيقي لديننا العظيم، ومنها يقتبس المسلم ميادين الاقتداء بالنبي الأعظم صلى الله عليه وسلم .. 

1: قبل الميلاد

  1. قبل الميلاد:

 حدثه جده عبد المطلب عن لحظة قدوم المغرور أبرهة الأشرم بفيله وجيشه العظيم لهدم الكعبة، إشباعاً لغروره، وحتى يصرف الأنظار عن مكة إلى بلده التي يحكمها .. وكيف عجز (جده) عن القيام بواجبه ودوره في حمايتها .. وقد أحال تلك المهمة لله (الواحد) سبحانه .. عندما قال: (للبيت رب يحميه).

  ووصف له (جده) مشهد طيور نزلت من السماء لإهلاك ذلك المغرور وجيشه .. ولَم يكن يعلم أن من أرسل تلك الطيور لتحمي الكعبة سيحكي له الحكاية لاحقاً في سورة الفيل .. وأن هذه الحادثة سيكون لها دورها في استيقاظ فطرة بعض عُبَّاد الأوثان، كما ستكون المانعة للفرس والروم وغيرهم من الممالك من مجرد التفكير في غزو الكعبة أو الطمع فيها أو هدمها لاحقاً.

2 : شرفُ النَّسَب

 2. شرفُ النَّسَب:

  كان جده يعيش في مكة .. وله عشرة من الأولاد .. كان سيد مكة وزعيمها .. وكان قد فرح بعقد قِران ولده عبد الله .. على آمنة بنت وهب .. ليجمع الله تعالى للحبيب صلى الله عليه وسلم شرف النَّسَب كله .. من عبد المطلب إلى هاشم إلى عدنان إلى اسماعيل ولد ابراهيم عليهما السلام .. وكذلك الرسل تُبعث في نَسَب قومها.

  أما والده الذي كان له مكانة كبيرة في نفس جده، فقد افتداه بمائة ناقة لنذرٍ نذره سابقاً .. وقد شاءت الأقدار أن يموت والده عبد الله وهو لا يزال في بطن أمه.

3 : ميلادُ النور

 3 : ميلادُ النور:

 في ذلك العام (عام الفيل) شاءت إرادة الله أن يخرج الحبيب صلى الله عليه وسلم من بطن أمه، التي حدثته أنها رأت نوراً انبعث منها في الآفاق حينذاك .. لقد حظي يوم الاثنين بالبركة لميلاد النبي صلى الله عليه وسلم فيه، كما حاز شهر ربيع الأول تلك الميزة عن باقي الشهور .. وكانت تلك الحادثة (حادثة الفيل) تهديداً مباشراً لكل من تُسوِّل له نفسه غزو الكعبة، فالكعبة على موعد قريب مع النبي الحبيب.

4. اختلافُ تميُّز:

  لقد كان اسمه مختلفاً عما تعارفت عليه قريش من الأسماء؛ (محمد) .. وما أدراكم ما محمد؛ فقد جعله الله نموذجاً بشرياً كامل الحمد لربه، محمود الصفات في الأرض والسموات .. صلى الله عليه وسلم.

  وكأني ببعض الاختلاف في حياته بشكل مبكّر كان لحكمة أرادها الله تعالى لاحقاً .. فقد لقي حفاوة وترحيباً كبيراً ظهرت من جده وأعمامه بولادته .. كيف لا وهو اليتيم ابن ابن عبد المطلب .. وابن أخيهم الذي تجرعوا مرارة وفاته في شبابه.

5 : كفالة وحضانة وشق الصدر

 5. كفالة وحضانة وشق الصدر:

  لقد تعهد جده بكفالته، وكانت ثويبة خادمة عمه أبو لهب حاضنته ومرضعته الأولى .. حتى جاءت أمه في الرضاعة (حليمة) السعدية .. تلك المرأة التي سعد بها وسعدتْ به .. وكان يلمح السعادة الغامرة في وجهها؛ وهي ترى بركة الله تعالى في حياتها.

  أربع سنوات قضاها الحبيب صلى الله عليه وسلم في مضارب البادية يتعلم فصاحتها، وينعم بجمال فضائها، ويستطبُّ بحصانتها ومناعتها، تحت سمع وعين أمه حليمة .. ووالده (زوجها) أبو كبشة.

  حتى جاء يومٌ كان صلى الله عليه وسلم يلعب فيه مع إخوانه في الرضاعة، إذ برجلين يطرحانه أرضاً، ويَشُقَّا صدره، ويخرجا منه شيئاً .. أدرك لاحقاً أنهما ملَكان مبعوثان من الله تعالى لتهيئته لشيء عرفه لاحقاً.

  هذا الموقف أفزع إخوانه في الرضاعة .. وسبقاه إلى أمه حليمة وأخبراها بما حصل.

 ارتبكت أمه حليمة وقررت أن تُرجعه إلى بيت جده، وحضن أمه ووالدته آمنة.

6 : يُتم الأم بعد الأب

 6. يُتم الأم بعد الأب:

  عاش الحبيب صلى الله عليه وسلم في كنَف جده سنتين أخريين، حتى استأذنتْ أمه جده بأن تأخذه لزيارة إخوانها في يثرِب (المدينة).

  يثرِب تلك التي سيكون له معها شأن كبير في قابل السنين.

 وفِي طريق عودته من يثرِب، وعند وصولهما إلى منطقة الأبواء؛ شاءت إرادة الله تعالى أن تُقبض روح أمه الحبيبة .. ليجمع الله تعالى عليه يُتم الأب والأم في موقف ظن للوهلة الأولى أنه محنة وحَرَجٌ، إذ بترتيب الله تعالى يُحيله عليه إلى منحة وفَرَجْ.

 ولئن كانت العناية الربانية تأتيه بواسطة أمه .. فاليوم تأتيه مباشرة وبلا واسطة .. صلى الله عليه وسلم.

7 - 10 : يتم الجد وكفالة العم

 يتم الجد وكفالة العم:

  ترك الحبيب صلى الله عليه وسلم أمه في قبرها، وقفل راجعاً إلى بيت جده مع القافلة التي كان فيها.

 جده الذي زادت رِقَّته وعنايته به لسنتين أخريين .. حتى كان موعد الجد الحاني مع مَلك الموت .. وقد بلغ الحبيب حينذاك ثمانية أعوام من عمره .. ليذوق مرارة وفاة كبير العائلة، وزعيم مكة، وجده لأبيه .. عبد المطلب.

 وفِي تلك اللحظة كان موعده مع قدَرٍ جديد رتَّبه الله تعالى له .. مع كفيل آخر سيكون له معه حكايات وحكايات .. إنه عمه أبو طالب .. كثير العيال، قليل المال كما قيل.

8. قيمة الشعور بالمسؤولية:

  وقد تحركت قيمة الشعور بالمسؤولية في نفس الحبيب صلى الله عليه وسلم؛ فطلب من عمه أن يرعى الغنم لأهل مكة بأجرة ينفق بها على نفسه .. فامتهن رعاية الغنم .. وكم كانت شاقة ومتعبة تلك المهنة على ابن الثماني سنين .. لكنَّ الله تعالى أعانه .. فوجد في رعايتها الأُنْسَ .. وتعلم شيئاً من فنون الإدارة والسياسة بشكل مبكّر .. صلى الله عليه وسلم.

9. شهادة الصدق في السوق:

 واستمر الحال على ما هو عليه، حتى بلغ الحبيب صلى الله عليه وسلم من العمر اثني عشر عاماً .. وقد وجد من عمه هرَماً وتعَباً وكثرة عيال .. فاستأذنه أن يشاركه في أعمال التجارة .. لعل فيما يجنيه من ربح مزيد تخفيف على عمه .. ونوع مشاركة له في إعالة أولاده .. وكأن المكفول يريد أن يتحول إلى كافل.

  وهكذا دخل السوق .. وكم في السوق من إرهاق وتعب جسدي ونفسي .. وقد وجد نفسه تسبح في بحر من الغش والكذب والاحتيال والاحتكار والربا .. غير أنه وجد معية الله تعالى له في وقت مبكّر، تلك المعية التي جعلت منه غواصاً ماهراً يدخل أعماق البحار، ويحصل على ما فيها من لؤلؤ ومحار وربح طيب وفير .. دون أن يصاب بلوثاتها وجراحاتها ودون أن يغرق بمائها وعُبابها .. حتى أجرى الله تعالى على ألسنة الناس وصفَهُ بالصادق الأمين .. صلى الله عليه وسلم.

  لقد وجد مشقة بالغة من أعباء الصدق والأمانة في بيئة كلها غش وخيانة .. لكنّ ما كان يراه من بركة كانت تشجعه وتُغريه بمزيد من الشفافية والابتعاد عن الغش بصوره المتعددة .. صلى الله عليه وسلم.

10. رحلة ولقاء عابر:

  ويُذكر أن الحبيب صلى الله عليه وسلم ارتحل مع عمه في طلب السوق والتجارة إلى الشام .. وكانت زيارات سريعة عابرة .. يُذكر أنه التقى على الطريق وفِي عجالة وكان شاباً يافعاً براهب نصراني اسمه (بحيرى) .. وقد علم لاحقاً أن هذا الراهب حذّر عمه من اليهود خوفاً عليه، لأنه بحسب ما يعلم سيكون له شأن عظيم.

 ولكن لقاءه بهذا الراهب كان سريعاً جداً .. لا كما يزعم الزاعمون أنه قعد عنده زمناً أخذ عنه الرسالة والدين، فهذا محض افتراء سيُحاسبهم الله عليه.

11 - 14 : زواج ميمون ( السيدة خديجة رضي الله عنها ) ..

 وفِي السوق شاءت إرادة الله تعالى أن تتعرف به سيدة شريفة اسمها (خديجة بنت خويلد) .. وكانت صاحبة مال وتجربة، وقد طلبت إليه من خلال غلامها (ميسرة) أن يعمل لها في مالها بمساعدته، وكان يبلغ حينها عشرين عاماً تقريباً.

 فكان البيع والشراء والأخذ والعطاء .. ونزلت البركة، وشهدت خديجة أمانته وصدقه .. وكانت قد تزوجت سابقاً برجل توفي عنها، ورجل آخر طلقها .. فهي امرأة ذات خبرة اقتصادية واجتماعية ومكانة رفيعة في قومها.

12. زواج ميمون:

  وذات يوم جاءته جارية من قِبَل خديجة تعرض أن يكون زوجاً لخديجة .. فعرض الأمر على عمه (حمزة) الذي طلبها من عمها لتكون زوجة وشريكة حياة كريمة له .. وكان يبلغ حينها خمسة وعشرين عاماً، في حين كانت خديجة رضي الله عنها في الأربعين من عمرها.

 خديجة بنت خويلد رضي الله عنها .. تلك الكريمة التي واسته بنفسها ومالها، ورزقه الله تعالى منها الأولاد الذكور، وإن ماتوا في صغرهم، والبنات وقد عاشوا حتى شهدوا الرسالة، وماتوا على التوحيد والإيمان.

 لقد هيَّأ الله تعالى للحبيب صلى الله عليه وسلم زوجة كريمة أعانته على التفرغ للتدبر، ومنحته من الصفاء الذهني بعيداً عن الشتات، ليبحث عن حلول لأزمة بل كارثة كانت مكة والعالم كله يتيه فيها .. ألا وهي أزمة الجفاف الروحي والوثنية السائدة وغياب التوحيد العريق .. صلى الله عليه وسلم.

13. إدارة مبكرة للأزمات:

  لقد كتب الله تعالى للحبيب صلى الله عليه وسلم القبول في قومه قبل أن يُبعث كرسول فيهم .. فكان ذات يوم عند بوابة من بوابات الحرم أوشك على دخولها إذ سمع أهل مكة يقولون: أتاكم الأمين .. إذ بهم يطلبونه لحلّ نزاع دام بينهم قرابة أربعة أيام حول ترتيب وضع الحجر الأسود في مكانه، بعد تمام بناء الكعبة، على إثر انجراف وهدم كثير تعرضتْ له .. وقد شاركهم قبل ذلك في البناء.

  فألهمه الله تعالى حسن إدارة تلك الأزمة؛ بأن طلب منهم أن يضعوا الحجر الأسود على عباءة أو ثوب كبير، وأن تأخذ كل قبيلة بطرَف من الثوب ويرفعوه، ليقوم هو بحركة سريعة خاطفة بأخذ الحجر بيده الشريفة وإعادته إلى مكانه .. تلك المشاركة في إدارة أزمة دينية أو سياسية أو عشائرية ساهمت في زيادة رصيده في نفوس القرشيين .. وكأنها رسالة من الله تعالى لهم؛ بأنه سيكون له دَور طليعي لاحقٌ في حل أزمتهم، بل وأزمة البشرية كلها .. صلى الله عليه وسلم.

14. تفاعلٌ ومشاركات متنوعة:

 هذا المشهد مع مشهد آخر كان قد شهده مع عمومته وهو ما يسمى بحلف الفضول وقبله حرب الفِجار، جعل له حضوراً في قومه .. فهو ليس غريباً عليهم، وهم يعرفونه جيداً في رعاية أغنامهم، وبيعهم وشرائهم، وحل مشكلاتهم، بل وفِي بعض اجتماعاتهم وأحلافهم ومعاهداتهم وبعض حروبهم.

  فقد شارك الحبيب صلى الله عليه وسلم ولو من بعيد بعضَ مشاركة في حرب الفِجار ضد قبائل ارتكبت محظورات في الحرم، وشارك في حلف الفضول وقد تعاقدت عدة قبائل على نصرة المظلوم، فسعد لذلك وتحمس له كثيراً .. كل ذلك في مرحلة الشباب الفوَّار، وهو لا يزال دون الثلاثين من عمره .. صلى الله عليه وسلم.

15 - 19 : البعثة الشريفة

 خلوة وتدبر:

  وهكذا تمضي به الأيام وهو يراقب ما يجري من حوله .. فالبيئة القبلية لا تفتح أفقاً واسعاً لأبنائها خارج الصندوق المقفل .. ولكن الله تعالى ألهمه إلى فكرة الاعتزال النسبيّ في غار حراء .. ذاك الغار الكائن في جبل شاهق الارتفاع، يُطلُّ على الكعبة من بعيد.

 كان يمضي فيه الليالي ذوات العدد، ثم يرجع إلى خديجة رضي الله عنها ويتزود ثانية ليعود.

 لقد حملت خديجة رضي الله عنها عنه عبء التجارة ورعاية الأبناء .. وهي تشعر أنه يبحث عن حلول ويفكر في أمر كبير .. لكنه لا يدري تحديداً من أين يبدأ .. لقد زاد الظلم ووأد البنات والزنا والربا، وصار عدد الأصنام حول الكعبة كثيراً .. والخمر يُسكِرُ الناس فينسيهم ما هم فيه من بلاء، وأنهم رعاع لا قيمة لهم بين الأمم وغوغاء.

16. منطلق البعثة الشريفة:

  حتى حصل مع الحبيب صلى الله عليه وسلم ما لا يملك وصفُه من شدته وثقله ومفاجأته.

 لقد نزل عليه وهو في الغار أمين الوحي جِبْرِيلُ عليه السلام .. وقد كان لقاؤه الأول به مرعباً؛ لأنه لم يتوقع لقاء أحد في الغار مطلقاً .. لم يكن يعلم مَن هو جِبْرِيل عليه السلام .. أخذه وضمَّه إليه ضمَّة شديدة تأكد من خلالها أنه لم يكن يحلم بل كان مستيقظاً منتبهاً .. كرر ذلك مراراً وهو يقول له: اقرأ .. والحبيب يَردّ: ما أن بقارئ .. حيث لم يكن قارئاً ولا كاتباً .. ثم قال له: "اقرأ بِسْم ربك الذي خلق* خلق الإنسان من علق" .. ثم أدرك لاحقاً أن جِبْرِيل عليه السلام رسولٌ من الله تعالى لأنبيائه .. يحمل لهم الرسالة، ويصحبهم في بعض مراحل تبليغها.

  لقد كان موقفاً مرعباً .. فنزل عن الجبل مسرعاً .. ولا يدري كيف نزل، وقد خشي على نفسه من الهلاك أو البلاء .. صلى الله عليه وسلم.

17. استراتيجيات إدارة الموقف المُلتَبِس:

  وما أن وصل صلى الله عليه وسلم بيته حتى استقبلته خديجة الحبيبة رضي الله عنها، فطلب منها غطاءً وقلبه يرتجف .. ثم أخبرها بما حصل معه .. فكانت نِعمَ المرأة الحكيمة .. وهي تحسن إدارة الموقف الملتبس .. حيث أجابت طلبه فغطته .. ثم سألته .. ثم استدعت تاريخ علاقته بها، لتثبت أن ما حصل معه ليس شراً بل هو مطلق الخير.

  لقد ذكرته بأنه كان؛ واصلاً للرحم، ناصراً للمظلوم، مُكرماً للضيف، معيناً للضعفاء .. وكأنها تقول له: لن يخيب ولن يضيع من كان هذا شأنه.

 لكنها بعدُ تريد الاطمئنان أكثر والكشف عن لغزِ ما حصل معه .. فأخذته إلى (ورقة بن نوفل) وكان من أبناء عمومتها .. وكان رجلاً قريباً من عالَم النبوات وقارئاً مطلعاً على تاريخ الرسالات .. ثم طلبت منه أن يحكي له ما جرى معه، فأخبر ورقة بكل شيء .. صلى الله عليه وسلم.

18. تشريف وتكليف:

  فما كان من ورقة إلا أن بشَّره وخوَّفه في الوقت نفسه .. بشَّره بأنه سيكون النبي الخاتم للبشرية .. وقد سعد بادئ الأمر؛ لا رغبة في الزعامة التي لم يكن يتوقعها مطلقاً، وإنما لأنه كان يبحث عن حل لأزمة الناس، فوجد في فكرة ومبدأ النبوة (طالما أنها جاءته كهبة من الله تعالى) فرصة لذلك.

  لكنه خوَّفه من تبعات تلك الرسالة والنبوة .. حتى أنه قال بأن خصومة القوم له ستبلغ حدها بإخراجه من بلده التي أحب .. وقد تذكّر كلامه بعد (١٣) عاماً، يوم الهجرة من مكة إلى المدينة .. صلى الله عليه وسلم.

ذاك الرجل الأصيل النبيل الذي تمنى لو كان شاباً لينصره .. لكنه مات بعد فترة وجيزة .. وقد أعلمه الله تعالى أن لورقة بن نوفل جنة أو جنتين.

19. حال جديد:

 رجع صلى الله عليه وسلم بمعيّة خديجة الحبيبة .. بصورة غير الصورة التي ذهبا بها إلى ورقة بن نوفل .. فقد أدرك أنه نبي مرسَل .. ثم فهم لاحقاً أنه خاتم الأنبياء والمرسلين .. تكليف في ثوب تشريف .. وتشريف في ثوب تكليف .. مسؤولية كبرى شاءت إرادة الله تعالى أن تُلقى على عاتقه.

  وقد بلغ من العمر أربعين عاماً .. نظر حينها خلفه وأدرك كيف أن الله تعالى جعله على عينه وهيَّأه بالمنع ثم بالمنح؛ فقد وجده يتيماً فآواه، ووجده ضالاً فهداه، ووجده فقيراً فأغناه؛ ليكون جاهزاً لحمل أمانته ورسالته إلى خلقه .. صلى الله عليه وسلم.

20 - 27 : ارهاصات (مقدمات) ما قبل النبوة

 20. مقدمات ما قبل النبوة:

  لقد تذكر صلى الله عليه وسلم أن حجراً كان يُسلِّمُ عليه قبل أن يُبعث .. وتذكر حادثة شقِّ الصدر .. والبركة التي عاينها في بيت حليمة .. تذكر عصمة الله له من مجرد مساس الأصنام، فضلاً عن الطواف حولها .. وبدأ يسمع عن ورود اسمه وحكاية بعثته في كتب أصحاب الرسالات السابقة، باعتبار أنهم كلهم بشَّروا أقوامهم به.

21. وتحولَ الخوف إلى شوق:

  استشعر الحبيب صلى الله عليه وسلم أن رحلته ستكون ممتدة طويلة؛ لأجل ذلك كان التحضير الإلهي لها طويلاً.

  بدأت آيات الرسالة تتنزل على قلبه .. والوحي يُلهمه ويرشده ويكلفه ويوجهه.

 صحيح أنه خافه للوهلة الأولى، لكن انقطاعه عنه فترة قصيرة سُميت بمرحلة فتور الوحي زاد من شوقه له، فكان كلما لقيه طلب منه أن لا يغيب عنه طويلاً، حتى فهم أنه لا يتنزل إلا بأمر الله الكريم العظيم.

22. مقصد الرسالة:

  لقد وعى صلى الله عليه وسلم حقيقة وقيمة التكليف والرسالة تماماً .. فقد وقع قوله تعالى: ﱡﭐﲠ ﲡ ﲢ المدثر: ٣، موقعه من قلبه ووجدانه، فعرف أن تعظيم الله في نفسه وأهله وعشيرته والعالم كله هو أصل رسالته وعنوان دعوته.

  لقد امتنّ الله تعالى عليه وامتنّ به على الناس .. فأدرك أنه بشرٌ مؤيَّد بالوحي .. معصوم محفوظ محروس .. في الوقت الذي كان يخشى فيه على نفسه من التقصير أو التفريط في جنب الله تعالى.

  لقد كان القرآن العظيم ثروته وزاده وعدته .. فبالقرآن وجد الإجابة على سؤلات سألها وسُئلها.

  لقد منحه الله تعالى بالحكمة التي ألهمه إياها تفويضاً بشرح وبيان كتابه العظيم، فضلاً عن نقله بأمانة من أمين الوحي جِبْرِيل عليه السلام إلى العالمين .. صلى الله عليه وسلم.

23. منطلق الرسالة وروحها:

 من تلك اللحظة .. بدأ العمل .. لقد كان التوحيدُ المنطلِقُ من الشهادتين هو عنوان الرسالة الأول:

 أشهد أن لا إله إلا الله .. فلا شرك ولا أصنام ولا وثنية .. وأشهد أن محمداً رسول الله .. فلا زعامة ولا قيادة ولا إدارة لصلاح البشرية سوى إدارة الحبيب صلى الله عليه وسلم بتفويض من الله مُلهمه وخالقه.

24. الخير فيمن سبق وصدق:

  لم تتردد خديجة الحبيبة رضي الله عنها في سلوك درب الإيمان .. وآمن معها بناتها الطيبات .. وآمن عليٌّ ابن عمه أبو طالب وكان فتىً يافعاً .. وقد كان في حجره مكفولاً عنده .. وآمن صاحبه أبو بكر رضي الله عنهم كلهم .. كان إيمان الأوائل معتمداً على أمرين اثنين:

-    ثقتهم بصدقه صلى الله عليه وسلم وأمانته التي لم يعهدوا غيرها في حياته ومنطقه، وهذا من فضل الله تعالى عليه.

-         انسجام ما جاءهم به مع فطرتهم النظيفة، وهذا من فضل الله تعالى عليهم.

  ثم بدأت حلقات الإيمان تتسع .. فقد فهم كل مؤمن دوره في نقل الإيمان لغيره .. وكان يسعد ويبتهج كلما جاءه خبر إسلام فرد جديد، على يدي صاحبه ورفيق دربه أبو بكر أو غيره من الأصحاب رضي الله عنهم.

  فهذا عثمان بن عفان وأبو ذَر الغفاري وسعد بن أبي وقّاص وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام رضي الله عنهم وغيرهم كلهم نالوا شرف السبق في الاسلام.

  ومع اتساع حلقات الإيمان كانت تتسع حلقات السور والآيات التي تتنزل تعليماً وتطميناً له صلى الله عليه وسلم ولأصحابه الكرام.

25. القرآن رفيق الطريق:

  لقد كان لكل سورة حكايتها وظروفها .. ولعل الحبيب صلى الله عليه وسلم عجب لجبريل عليه السلام وهو يطلب منه ترتيب الآيات والسور بطريقة تختلف عن طريقة نزولها .. لكنه فهمَ أن النزول كان يناسب زمانه .. أما الترتيب النهائي (المصحفي) فيناسب كل الأزمنة بعده .. كيف لا وهو يعلم أنه لا نبي بعده.

  كان القرآن في مكة يحكي قضايا الإيمان ويُركِّز على إجابة شبهات المشركين، ويرغّب ويرهّب المهتدين .. ويبني سلوكاً متيناً رفيعاً .. وكم كان يواسيه ويثبت قلبه آياتٍ كشف له ربه فيها بعض حكايات إخوانه الأنبياء .. صلى الله عليه وسلم.

26. كتمان للإيمان:

  بدأت قريش تشكّ في حركة غريبة تدور في الأفق على الرغم من حرصه الشديد على الإسرار والكتمان .. حتى لا يستفز عصبية قريش .. ولأنه حريص على السلم المجتمعي الذي يعينه على تبليغ الرسالة دون إزعاج من قريش .. لدرجة أن الحبيب صلى الله عليه وسلم كان يطلب من المسلمين الجدد الكتمان حتى عن إخوانهم .. وكان يطلب ممن يسلمون من خارج مكة أن يكتموا إيمانهم ويرجعوا لأقوامهم إلى حين ظهوره لاحقاً.

27. الأذى المبكر:

  بدأت حملات الإيذاء للمهتدين الجدد .. ولكن في حدود ضيقة .. فالسادة متوكلون بتعذيب العبيد من المهتدين، والآباء متوكلون بتعذيب أبنائهم .. ولكن قريشاً كانت حريصة على سُوقها وتجارتها؛ لأجل ذلك ما أرادت التصعيد .. بل قبلت أن يشتري أبو بكر رضي الله عنه عدداً من العبيد المهتدين ليطلق سراحهم ويخلصهم من إيذاء أسيادهم .. وكان هذا من أحب المواقف على قلبه .. صلى الله عليه وسلم.

 فلقد حقق أبو بكر رضي الله عنه فكرة الإسلام الذي جاء ليحرر العباد من عبادة العباد، إلى عبادة رب العباد.

28 - 24 : في دار الفتى الشجاع ( الأرقم بن أبي الأرقم

 28 . دار الأرقم بن أبي الأرقم:

 ولما رأى صلى الله عليه وسلم أن عدد المهتدين بدأ يكبر كان لابد من جمعهم في مكان واحد معروف لهم، وفي وقت محدد لتعليمهم، ونقلِ ما يأتي به الوحي من قرآن لهم، فوقع اختياره بتوفيق من الله وإلهامٍ على دار الأرقم بن أبي الأرقم ليكون فيها الملتقى .. صحيح أنه كان غلاماً صغيراً، لكن صغر سنه كان مموهاً لمشركي مكة .. فضلاً عن كون داره بالقرب من الصفا بعيداً عن وسط مكة.

  لقد أتى الله تعالى ببلال بن رباح كما أتى بعثمان بن عفان وَعَبَد الرحمن بن عوف وغيرهم من الكرام رضي الله عنهم، وكلهم يملك من الحماسة ليفتدي الإسلام بكل ما يملك على اختلاف طبقاته.

29. نقلة نوعية .. من الكتمان للجهر:

  بقيت الدعوة بالتهامس .. وهو صلى الله عليه وسلم أعلم بتعليم الله له أن رسالته عالمية .. وأن التهامس لا يناسب غاية وطموح تلك الدعوة الفتية .. فكانت مرحلةً .. لكنها لم تكن كل مرحلة .. وقد جاء الوحي بتكليفه بالصدع بالحق وإنذار العشيرة .. فخرج إلى الصفا، ونادى القوم وجهر بدعوته ومِن حوله عشيرته وعموم المهتدين .. فأبرأ ذمته وعرض أمانته ورسالته .. صلى الله عليه وسلم.

  لقد كان الحبيب يعلم أن درء المفاسد أولى من جلب المصالح .. لكنه الانصياع لأمر الله أولاً، ثم لإدراكه أنه ليس كل مفسدة درؤها أولى من جلب كل مصلحة .. وأنه لابد من تضحية ومبادرة لتمكين قيمةِ عالمية الرسالة .. فكان الصدع والجهر وكان ما تبعه من إيذاء.

30. إيذاء مبكر ومتنوع:

  لقد بدأ الإيذاء من رجل لم يتوقع منه صلى الله عليه وسلم سوى نصرته وإعانته، لكنه تعمَّد إيذاءه وإهانته .. إنه عمه (أبو لهب) .. وقد نزلت فيه وفِي زوجه (أم جميل) سورة المسد .. ﱸ ﱹ ﱺ ﱻ ﱼ ﱽ المسد: ١

  ثم تصدى لمحاربة دعوته كبراء القوم كأبي جهل وأمية بن خلف وعقبة بن أبي معيط وغيرهم .. وقد تعرض شخصياً لضربهم وشتائمهم وأوساخهم ومحاولات خنقهم .. ثم اتهموه بالسحر والكهانة والشعر والجنون .. وهم يجمعون بذلك الأذى المعنوي والمادي .. عليهم من الله ما يستحقون.

31. طلب الخوارق والمعجزات:

  ثم طلبوا معجزات وخوارق، فشقّ الله تعالى لهم القمر .. وكانت معجزته صلى الله عليه وسلم الكبرى معجزة بيانية؛ تناسب ذاك الزمان وكل زمان (القرآن العظيم).. وهم أهل لغة وفصاحة وبيان .. فكانوا يعترفون بجمالها وكمالها واختلافها عما عهدوه من شعر ونثر وسجع وغيرها.

  وطلبوا منه ذات يوم إزالة جبال مكة وتحويلها إلى أرض زراعية، لكن الله تعالى أخبر الحبيب صلى الله عليه وسلم بأنه إما أن يجيب طلبهم، (فإن لم يؤمنوا  فإنه يعذبهم كما عذب مَن قبلهم) .. أو أن يصبر عليهم .. فكان يصبر ويحتسب ويدعو لهم .. صلى الله عليه وسلم.

 ولا يُذكر سوى أنه دعا عليهم بالهلاك أو على بعضهم مرة واحدة أو مرتين.

32. مساومات:

  وكان من كيدهم ومكرهم أنهم ساوموه أكثر من مرة على ترك دعوته في مقابل أن يعطوه أموالاً ونساءً ومناصب .. ولكن الله تعالى كان يُثبته، ويَعِدُه بالعِوض، فقد وجده يتيماً وضالاً تائهاً وفقيراً .. فآواه وهداه وأغناه .. وقال له بأنه يوف يعطيه فيرضيه؛ فأعطاه وأرضاه.

 وليتهم اكتفوا بإيذائهم له دون أصحابه وأحبابه الذين وجدوا العنت والمشقة والحرمان والتعذيب كذلك بسبب ثباتهم على العقيدة.

 كانت سنوات الدعوة الأولى ثقيلة ثقيلة .. لكنها خرّجت قُرصاً صلباً من رجال ونساء حصلوا على الإيمان بصعوبة فلم يفرطوا فيه بسهولة.

 لقد كانت حصيلة المؤمنين بمكة قليلة لكنهم هم الذين حموا الدين في نفوسهم الزكية وحملوه إلى العالمين.

 لقد كان يؤلم الحبيب صلى الله عليه وسلم أن يأتي على بعض أصحابه يُعذَّبون حتى الموت، ولا يملك إلا أن يقول لهم: صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة .. صلى الله عليه وسلم.

33. تنفيس وتخفيف:

  وفِي الوقت الذي كان الحبيب صلى الله عليه وسلم يجد حرجاً وعنتاً كان الله تعالى يبعث له ما يُبرد قلبه ونفسه .. فكان لقاؤه المتجدد بالوحي الكريم يكفيه ويشفيه ويشبعه ويرويه .. وكان كل مهتدٍ جديد يبعث في نفسه أملاً كبيراً.

  ولقد ألهمه الله تعالى لأسلوب حكيم في استقطاب حتى الخصوم ممن كان يأمل هدايتهم .. في حين أن الناس كانوا يفقدون الأمل بذلك .. فكان الرجل يأتيه حاقداً وما يخرج من عنده إلا وهو الحبيب القريب إلى قلبه .. فعبد الله بن سلام يترك يهوديته .. وصهيب الرومي يترك مجوسيته .. وضماد الأزدي يترك خصومته .. وعمر بن الخطاب يترك عُنجهيته؛ وكلهم يعتنق الإسلام وينشره ويدافع عنه ويموت في سبيله .. رضي الله عنهم أجمعين.

34. إسلام الكبار

  لقد كان يوم إسلام عمه حمزة رضي الله عنه يوماً مختلفاً فقد أسلم حِمية له .. ثم حِمية للإيمان بعد أن لمسه وأدركه.

 وكذلك كان يوم إسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه رافعة معنوية لأصحابه .. وحتى هؤلاء لم يَسلموا من الإيذاء.

 لقد كان يطمح بإسلام الأقوياء .. لكنه كان يعلم أن النصرة والرزق كذلك إنما تأتي ببركة الضعفاء.

  ولقد تعرض لعتاب ربه في صاحبه الأعمى (ابن أم مكتوم) حين أشاح بوجهه عنه رغبة في إسلام بعض كبراء قريش .. وقد جاء يسأله وكان في حوار معهم .. صلى الله عليه وسلم.


السيرة النبوية العطرة خطوة بخطوة في(100) مشهد

  الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الأمين، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد :        هذا ...