يتم الجد وكفالة العم:
ترك الحبيب صلى الله عليه وسلم أمه في قبرها، وقفل
راجعاً إلى بيت جده مع القافلة التي كان فيها.
جده الذي زادت رِقَّته وعنايته به لسنتين أخريين
.. حتى كان موعد الجد الحاني مع مَلك الموت .. وقد بلغ الحبيب حينذاك ثمانية أعوام
من عمره .. ليذوق مرارة وفاة كبير العائلة، وزعيم مكة، وجده لأبيه .. عبد المطلب.
وفِي تلك اللحظة كان موعده مع قدَرٍ
جديد رتَّبه الله تعالى له .. مع كفيل آخر سيكون له معه حكايات وحكايات .. إنه عمه
أبو طالب .. كثير العيال، قليل المال كما قيل.
8. قيمة الشعور بالمسؤولية:
وقد تحركت قيمة الشعور بالمسؤولية في نفس الحبيب
صلى الله عليه وسلم؛ فطلب من عمه أن يرعى الغنم لأهل مكة بأجرة ينفق بها على نفسه
.. فامتهن رعاية الغنم .. وكم كانت شاقة ومتعبة تلك المهنة على ابن الثماني سنين
.. لكنَّ الله تعالى أعانه .. فوجد في رعايتها الأُنْسَ .. وتعلم شيئاً من فنون
الإدارة والسياسة بشكل مبكّر .. صلى الله عليه وسلم.
9. شهادة الصدق في السوق:
واستمر الحال على ما هو عليه، حتى
بلغ الحبيب صلى الله عليه وسلم من العمر اثني عشر عاماً .. وقد وجد من عمه هرَماً وتعَباً
وكثرة عيال .. فاستأذنه أن يشاركه في أعمال التجارة .. لعل فيما يجنيه من ربح مزيد
تخفيف على عمه .. ونوع مشاركة له في إعالة أولاده .. وكأن المكفول يريد أن
يتحول إلى كافل.
وهكذا دخل السوق .. وكم في السوق من إرهاق وتعب
جسدي ونفسي .. وقد وجد نفسه تسبح في بحر من الغش والكذب والاحتيال والاحتكار والربا
.. غير أنه وجد معية الله تعالى له في وقت مبكّر، تلك المعية التي جعلت منه غواصاً
ماهراً يدخل أعماق البحار، ويحصل على ما فيها من لؤلؤ ومحار وربح طيب وفير .. دون أن
يصاب بلوثاتها وجراحاتها ودون أن يغرق بمائها وعُبابها .. حتى أجرى الله تعالى على
ألسنة الناس وصفَهُ بالصادق الأمين .. صلى الله عليه وسلم.
لقد وجد مشقة بالغة من أعباء الصدق والأمانة في
بيئة كلها غش وخيانة .. لكنّ ما كان يراه من بركة كانت تشجعه وتُغريه بمزيد من الشفافية
والابتعاد عن الغش بصوره المتعددة .. صلى الله عليه وسلم.
10. رحلة ولقاء عابر:
ويُذكر أن الحبيب صلى الله عليه وسلم ارتحل مع عمه
في طلب السوق والتجارة إلى الشام .. وكانت زيارات سريعة عابرة .. يُذكر أنه التقى على
الطريق وفِي عجالة وكان شاباً يافعاً براهب نصراني اسمه (بحيرى) .. وقد علم لاحقاً
أن هذا الراهب حذّر عمه من اليهود خوفاً عليه، لأنه بحسب ما يعلم سيكون له شأن
عظيم.
ولكن لقاءه بهذا الراهب كان سريعاً
جداً .. لا كما يزعم الزاعمون أنه قعد عنده زمناً أخذ عنه الرسالة والدين، فهذا محض
افتراء سيُحاسبهم الله عليه.